ابن كثير

36

البداية والنهاية

لو كان هذا العلم شخصا ناطقا * وسألته هل زار مثلي ؟ قال : لا ومن شعره وقيل هو لغيره : إذا قنعت بميسور من القوت * بقيت في الناس حرا غير ممقوت ياقوت يومي إذا ما در حلقك لي * فلست آسي على در وياقوت وله من النظم والنثر شئ كثيرا جدا ، وله كتاب سماه لقط الجمان في كان وكان ، ومن لطائف كلامه قوله في الحديث : " أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين " ( 1 ) إنما طالت أعمار من قبلنا لطول البادية ، فلما شارف الركب بلد الإقامة قيل لهم حثوا المطي ، وقال له رجل أيما أفضل ؟ أجلس أسبح أو أستغفر ؟ فقال الثوب الوسخ أحوج إلى البخور . وسئل عمن أوصى وهو في السياق فقال : هذا طين سطحه في كانون . والتفت إلى ناحية الخليفة المستضئ وهو في الوعظ فقال : يا أمير المؤمنين إن تكلمت خفت منك ، وإن سكت خفت عليك ، وإن قول القائل لك اتق الله خير لك من قوله لكم إنكم أهل بيت مغفور لكم ، كان عمر بن الخطاب يقول : إذا بلغني عن عامل لي أنه ظلم فلم أغيره فأنا الظالم ، يا أمير المؤمنين . وكان يوسف لا يشبع في زمن القحط حتى لا ينسى الجائع ، وكان عمر يضرب بطنه عام الرمادة ويقول قرقرا ولا تقرقرا ، والله لا ذاق عمر سمنا ولا سمينا حتى يخصب الناس . قال فبكى المستضئ وتصدق بمال كثير ، وأطلق المحابيس وكسى خلقا من الفقراء . ولد ابن الجوزي في حدود سنة عشر وخمسمائة كما تقدم ، وكانت وفاته ليلة الجمعة بين العشاءين الثاني عشر من رمضان من هذه السنة ، وله من العمر سبع وثمانون سنة ، وحملت جنازته على رؤوس الناس ، وكان الجمع كثيرا جدا ، ودفن بباب حرب عند أبيه بالقرب من الإمام أحمد ، وكان يوما مشهودا ، حتى قيل : إنه أفطر جماعة من الناس من كثرة الزحام وشدة الحر ، وقد أوصى أن يكتب على قبره هذه الأبيات : يا كثير العفو يا من * كثرت ذنبي لديه جاءك المذنب يرجو الصفح * عن جرم يديه أنا ضيف وجزاء * الضيف إحسان إليه وقد كان له من الأولاد الذكور ثلاثة : عبد العزيز - وهو أكبرهم - مات شابا في حياة والده في سنة أربع وخمسين ، ثم أبو القاسم علي ، وقد كان عاقا لوالده إلبا عليه في زمن المحنة وغيرها ، وقد تسلط على كتبه في غيبته بواسط فباعها بأبخس الثمن ، ثم محيي الدين يوسف ، وكان أنجب أولاده وأصغرهم ولد سنة ثمانين [ وخمسمائة ] ووعظ بعد أبيه ، واشتغل وحرر وأتقن وساد أقرانه ، ثم باشر حسبة بغداد ، ثم صار رسول الخلفاء إلى الملوك بأطراف البلاد ، ولا سيما بني أيوب بالشام ، وقد

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الدعوات باب ( 1 ) وابن ماجة في الزهد باب ( 27 ) .